#1  
قديم 09-13-2008, 01:58 PM
الصورة الرمزية beckham_250
beckham_250 beckham_250 غير متواجد حالياً
زملكاوى للابد
TheKing
 
تاريخ التسجيل: Jun 2008
الدولة: موبايل فور اوول وأفتخر
العمر: 24
المشاركات: 7,457
افتراضي الوعيُ القوميّ في شعر أبي فراس الحمدانيّ

لوعيُ القوميّ في شعر أبي فراس الحمدانيّ

د. فاروق اسليم

تقديم


إن الحديث عن (الوعي القوميّ في شعر أبي فراس الحمداني) يبدو إشكالياً لِمَنْ يرى فيه خطاباً سياسياً معاصراً، يُنطقُ شعر أبي فراس، وعصره بما ليس فيهما. وإنّ الرغبة في دفع ذلك الإشكال تبعثني على إيراد الملحوظات الآتية:




1- إذا ما كان الخطاب القوميّ العربيّ في العصر الحديث تعبيراً عن وعي الأمّة لذاتها فإنّ كلّ وعي عربيّ للذات قديماً هو خطاب قوميّ بلغة عصرنا ومصطلحاتها الفكريّة والسياسيّة.

2- إنّ قراءة الأمة لتراثها لا يمكن أنْ تكون قراءة محايدة، فهي تخضع للاصطفاء، وتسعى إلى الاكتشاف، وإعادة إنتاج الوعي، وذلك لخدمة هدف ما، وإنّ أعظم هدف معاصر لمن يقرأ تراث أمتنا من أبنائها أن يوظف قراءته في معركة الأمة من أجل إنجاز مشروعها القومي المفضي إلى التحرير والوحدة والعدالة.

3- إنّ للنصّ الشعريّ العربيّ القديم مستويين من الإبداع، لا يقلّ أحدهما أهمّيةً عن الآخر، الأوّل: معرفيّ، لا تكاد قراءاته تتعدّد، والثاني جماليّ، تتعدّد قراءاته، ولكنّ تعدّدها لا يعني انفتاحاً لا حدود له، وهذا ما يؤهله ليكون ميداناً للفكر والتاريخ والجمال.

4- إنّ أبا فراس الحمداني كان فارساً وأميراً من أسرة عربيّة أقامت دولة عنوانها: تحدّي الضعف العربيّ، ومواجهةُ ، فكان شعره خير تدوين أدبيّ لأحداث عصره، ولوعيه لها، ولا سيما أنه قصد ذلك قصداً، وأنه كان يرى أن ذلك من وظائف الشعر، فهو القائل:

الشّعرُ ديوانُ العَرَبْ


أبداً وعُنْوانُ النّسبْ






تمهيد تاريخيّ


تمتدّ جذور وعي العرب لوجودهم القوميّ المتميّز إلى العصر الجاهليّ، فقد شهد إرهاصات التكوين التاريخيّ الجديد للأمة العربيّة، ويمكن إجمال تلك الإرهاصات في ارتقاء مجتمعات القبائل العربية إلى مستوى يؤهلها للوحدة السياسية، وقد تمّ الارتقاء بإنجازات اجتماعيّة واقتصادية وسياسيّة، تطوّرت بها العصبيّة القبليّة بتضاؤل التعصّب للقبيلة من جهة، وباتساع دائرتها من جهة أخرى. ومن المهمّ جدّاً في ذلك العصر اكتشاف الجاهليين أن التمايز اللغويّ هو أساس التمايز بين الأمم، فهم عرب لأنهم يتكلمون بالعربيّة، وغيرهم عجم لأنهم لا يتكلمون بها.

إنّ إدراك التمايز باللغة هو تعبير عن إدراك التمايز الحضاريّ الذي يشمل الثقافة والأدب وأنماط الحياة الاجتماعية والاقتصادية الذي يشمل الثقافة والأدب وأنماط الحياة الاجتماعيّة والاقتصادية والسياسية المنجزة على أرض مُحَدّدة يقطنها، ويتملّكها أصحاب تلك اللغة، ولكنّ إدراك الجاهليين للتمايز باللغة ظلّ مقيّداً برابطة الانتماء النسبي (العصبيّة القبليّة) التي عاقت الوعي بإرهاصات التكوين الجديد للأمة، وعاقت التوجهات نحو وحدتها السياسية.

***

ثم جاء الإسلام، فنقل الأمّة إلى مرحلة الولادة والتكوين الجديد. وكانت مسألة تطوير الانتماء النسبيّ والديني سبباً رئيساً في اتساع دائرة انتماء الناس على اختلاف انتماءاتهم شكّلت نواة دولة الأمة العربيّة التي أقامها الرسول محمد (ص) في يثرب (المدينة)، والتي نمت، واتسعت بعد ذلك بالفتوح والتعريب.

وازداد في الإسلام إدراك أهميّة اللغة العربيّة في التميز القوميّ، وذلك واضح في قول الرسول (ص): "أيّها الناس إنّ الربّ واحد، والأب واحد، وليست العربيّة بأحدكم بأبٍ، ولا أمّ، وإنّما هي اللسان، فمن تكلّم العربيّة فهو عربيّ"

إنّ للحديث دلالات كثيرة تؤكد على مركزية اللغة العربية في تكوين أمتنا، وعلى إمكانيّة تنوع الانتماءات النسبية والاجتماعية والعنصرية والدينيّة، وتوحّدها في دائرة اللغة توحّداً ثقافياً، ينتج وعياً حضاريّاً تاريخياً يُعبّر عنه بشعور الانتماء إلى الأمة، والولاء لها

ولكن جذور العصبيّة القبليّة ظلّت راسخة في نفوس كثير من أصحابها، وكان للأهواء السياسية أهمية كبيرة في إنباتها، وإشعالها بعد أن تطامنت في صدر الإسلام، فظهر وترسّخ في الأمّة الموحّدة سياسياً ولغوياً ودينياً مصطلح (الموالي) للدلالة على المسلمين المستعربين من ذوي الأصول النسبية غير القحطانية والعدنانية في مقابل (العرب) للدلالة على المسلمين والنصارى من ذوي الأصول القحطانية والعدنانية.

لقد نمت الأهواء السياسية وعيّاً زائفاً بانقسام الأمة إلى عرب وموالٍ وأسهم الانقسام في ضعف بنيان الدولة، وفي إعاقة تنامي مظاهر وحدة الأمة، وبرز ذلك في فترة التحوّل من الحكم الأمويّ إلى الحكم العباسي، وتستوقفنا فيها أشعار نصر بن سيّار (46-131ه) شيخ مضر بخراسان، فقد أطلق منها، وكان يليها لبني أميّة "عدّة صيحات قومية.. يُنبّه قومه العرب على ما تبيّته الشعوبيّة للأمة العربية" واللافت في شعره أنّه ربط بين العروبة والإسلام، وأنه رأى في الاعتداء على العرب اعتداء على الإسلام، فأعداء بني أمّية "دينهم أنْ تهلك العرب"وانتصارهم يعني أنّ "على الإسلام والعرب السلام"

وإن وضوح الخطاب السياسي الموالي لبني أميّة في شعر نصر بن سيّار لا يُقلل من أهمية وعيه لخصوصية العلاقة بين العرب والإسلام، وقد سبق لعمر بن الخطاب أن قال: "العرب مادّة الإسلام".

***

وبلغت الأمّة العربية في العصر العباسي الأول (132-232هـ) طوراً جديداً، واجهت فيه تحدّيات داخلية، أبرزها الشعوبيّة المتعصبة على العرب، ومجابهتها بالعصبية العربيّة المؤسسة على الانتماء النسبيّ. وكان الجاحظ (163-255هـ) أقدر مفكّري عصره على فهم حركة التاريخ العربيّ، ووعي مسارها الصحيح الذي يتوجب على المجتمع أن يسلكه لتحقيق وحدته الحضارية، وقد مثّل بجد له، وحواره مع طرفي الصراع موقفاً ثالثاً "فهو يهاجم ويدين كلاّ من تعصب الشعوبيّة ضدّ كلّ ما هو عربيّ، وعصبيّة العرب على كلّ ما ليس بعربيّ". وقد دعا في مؤلفاته إلى التفاعل بين الأجناس التي تتألف منها الأمة، وهو يرفض أن يكون العرق "معياراً للقوم والقومية، ويتحدّث عن العادات والتقاليد والشمائل وعن اللغة، وعن الولاء للقوم وفكرهم وحضارتهم"

ولكن التوجه العقلاني القومي للجاحظ لم ينتشر بين العامة، وظلّ في دائرة بلاط الخلافة ببغداد، ثم انحسر عنها بسيطرة الأتراك على مقاليد الخلافة، فقد جعلوها ألعوبة، يقتلون خليفة، ويولون آخر، وقد بلغ عددهم بين عامي 247-256 خمسة خلفاء، وهم على التوالي: المتوكّل، والمنتصر، والمستعين، والمعتزّ، والمهتدي.

وفي هذه الفترة المضطربة برز في بلاط العباسيين اسم حمدان بن حمدون، وهو رأس الأسرة الحمدانيّة، وذلك ابتداءاً من عام 254هـ، ثم برز ابناه الحسين وعبد الله، ثم ظهر ناصر الدولة، وسيف الدولة ابناً عبد لله بن حمدان. واستقدم الخليفة (المتّقي) عام 330هـ ناصر الدولة وخلع عليه لقب ( أمير الأمراء)، وأقام ببغداد مع أخيه سيف الدولة، ولكن ناصر الدولة غادرها مضطراً، وهرب إلى الموصل، واستقر بها، وأما سيف الدولة فانتقل إلى حلب عام 336هـ، وأسس فيها دولة بإمارته، وكان معه ابن عمه، أبو فراس، الحارث بن سعيد بن حمدان، وكلّفه بإمرة منبج

***

عاش أبو فراس الحمدانيّ (نحو 320-357هـ) في عصر اضطراب فيه سلطة الخلافة العباسية، وغدت عاجزة عن مدّ سلطانها على سماء عاصمتها (بغداد) فانفرط عقد الأمة سياسياً، ونتجت عن ذلك اضطرابات مختلفة، أنهكت الأمة، فطمع فيها بعض أبنائها من جهة، فأوقفوا بانتماءاتهم الشعوبية و القبلية نموّها القوميّ، وطمع فيها من جهة ثانية بعض أعدائها، ولا سيما الروم. فاشتعلت الثغور بالغزو، وما يتصل به من سلب وخوف وضياع للكرامة والأرض، وتهديد للعقيدة.

كانت الأسرة الحمدانيّة تُمثّل تطلّعاً عربيّاً نحو تصحيح مسار الحياة السياسية، فقد سعت إلى القبض على مقاليد السلطة في بغداد لتعريبها ولكنها أخفقت، فانتقلت إلى الموصل، ثم توهجّت في (حلب) حين وصل إليها سيف الدولة حاملاً بين جنباته طموحه العربي في إقامة دولة، فنجح مسعاه، وقُدر لإمارته (الدولة) أن تكون درعاً يدفع الخطر الخارجيّ عن الأمّة، وكان أميرها (سيف الدولة) جديراً بقول (المتنبي) له

ليس إلاّك، يا عليُّ، همُامٌ


سَيْفُهُ دونَ عِرْضِهُ مسلُولُ




كيفَ لا يأمنُ العراقُ ومصرٌ


وسيراياكَ دونها، والخيولُ







كان الصراع مع الروم أحد تحدّيين واجها الحمدانيين في حلب. وكان التحدي الثاني هو الصراع مع القبائل المناوئة. وقد تأثر تشكيل الوعي القومي عند أبي فراس بهذين التحدّيين، كما تأثر أيضاً بالأحوال العامة المضطربة في دولة الخلافة العباسية، وبمنبته القبليّ العريق، وبموقعه من السلطة، وبمشاركته النشطة في أحداث عصره، ويضاف إلى ذلك ثقافته القبليّة، والأدبيّة، والإسلامية والتاريخية، وهي ثقافة عميقة أهلته لإغناء شعره، فكان أكثره تأريخاً فنيّاً للأحداث، وتصويراً لمكابداته المتصلة بها، وفيه تصوير للحالة المثلى للوعي القومي العربي آنذاك، وهو وعي يتأرجح بين الانتماء النسبيّ من جهة، والانتماء الديني من جهة ثانية.
الاحتفال بالنسب


كان أبو فراس شديد الاعتداد بالنسب، والاحتفال به، وهو القائل- وكان يتحدث عن ( بني سيف الدولة من أخته- : "التعصب شيمتي" إنّه يفخر بعصبيته، وبإجلاله لأصول النسب:

فإنّي أقوم بحقّ الجوا


دِ، ثم ّ أعودُ إلى العُنصُرِ







وقد اختار لنفسه امرأة عربية:

وأديبةٍ، اخترتُها عربيةً


تعزى إلى المجد الكريمِ وتنتمي







ولذلك كان من البديهي ألاّ يرى لأسرته نديداً:

أيُّها المبتغي محلّ بني حَمـ


دانَ، مَهْلاً، أتبلغُ الجوزاءَ؟!







وقد أكثر الفخر بأسرته، ورأى أن مجدها امتدادٌ لأمجاد متوارثة، أصلها الراسخ (عدنان) وفرعها الباذخ (سيف الدولة)، ذؤابةُ الأسرة الحمدانيّة، فهو لا يقدّم على نفسه أحداً من الأحياء غيره، إقراراً منه بإمارته، وبفضل رعايته له صغيراً، بعد مقتل أبيه سعيد بن حمدان، وذلك كثير في شعره، ومنه:

فَمِنْ سَعِيْدِ بنِ حَمْدَانٍ ولادَتُهُ


ومن عليّ بنِ عبد اللهِ سائِرُهُ




لَقَدْ فقدتُ أبي طفلاً، فكانَ أبي،


من الرّجال، كريمُ العُودِ، ناضرُهُ




فَهْوَ ابنُ عَمِيّ دُنيا، حينَ أنسبُهُ


لكنّه ليَ مولى، لا أنا كرُهُ







وكثر في شعره أيضاً الانتساب إلى القبائل الماجدة التي أنبتت الأسرة الحمدانية ومنهم بنو نزار بن مَعَدّ بن عدنان، فهم قومه، وبنو حمدان أسرته، يقول مخاطباً سيف الدولة:

أَأَتركُ في رضاكَ مديحَ قومي


وتحبيرَ المحبّرةِ الفصَاحِ؟




أَأَجْعَلُ في الأوائلِ من نِزَارٍ


كفعلكَ، أمْ بأسرتنا افتتاحي؟




أَسَيْفَ الدّولةِ، الحَكَمَ، المرَجّى


أَفِيْ مَدْحي لقومي مِنْ جُنَاحِ؟




ولَوْ شئتُ الجوابَ، أجبتُ، لكنْ


ومَنْ أضحى امتداحُهُمُ امتداحي؟







وتتسع دائرة الفخر القبلي لتشمل العدنانيين جميعاً، وذلك في قوله:

وإذا فخرتُ، فخرتُ بالشّمّ، الأولى


شادوا المكارمَ من بني حمدانِ





نحنُ الملوكُ، بنو الملوكِ، أولى العُلا


ومعادنُ الساداتِ من عدنان







إنّه معرق في النسب والسيادة، وذلك من جهة أبيه، ولكنه هجين، فأمّه روميّة، وقد "تكون من سبايا الروم، سبيت في أثناء المعارك الكثيرة التي دارت بين الروم ورجال بني حمدان.. كما يمكن القول إن سعيداً قد تزوج هذه السبية التي أنجبت أبا فراس" ولكن ابنها لم يجد غضاضة في ذلك، ولم يعان معاناة عنترة بن شدّاد في الجاهلية، ولم يُغمز نسبه مثلما غمز نسب مسلمة بن عبد الملك في العصر الأمويّ، فعصر أبي أبي فراس شاع فيه الاختلاط بين الأجناس في المجتمع، ولكن نفسه المشبعة بالعصبية القبليّة كانت منشغلة بشطرها من جهة الأمّ، ولذلك راح يبحث عن وسيلة ليصل نسب أمّه الروميّ بنسبة العربيّ فانتسب إلى إسماعيل، وإسحاق ابني إبراهيم عليهم السلام، ليظهر عراقة نسبه من جهة أبيه وأمّه معاً. يقول

لإسماعيل بي، وبنيه فخرٌ


وفي إسحاق بي، وبنيه عُجْبُ




وأعمامي ربيعةُ، وهي صيدٌ


وأخوالي بلصفرُ، وهْي غُلْبُ







فهو ينتسب نم جهة أبيه إلى إسماعيل، جدّ العرب العدنانيين، ومن جهة أمّه إلى إسحاق، وهو جَدّ بني الأصفر، وهم الروم، وهؤلاء جميعاً يرجعون في اعتقادي إلى إبراهيم عليه السلام.

إن اعتداده السابق بطرفي نسبه انتقل به من دائرة النسب العربي العدنانيّ إلى رحاب تتجاوز انتماءه إلى العنصر العربيّ. وقد دلّ بما سبق على وعيّ مؤسس على ثقافة قبلية، تعتدّ بالأنساب، وترى فيها أساساً من أسس التمايز بين الناس، وهذا الوعي لا يستوعب ما يجري في المجتمع آنذاك من تمازج، واختلاط، ولعلّ في تتبع المراد بالعرب في شعره ما يخالف ذلك.
العرب


ورد ذكر العرب في مجالين رئيسين من شعر أبي فراس الأول: ما قيل في القبائل المناوئة للحمدانيين، والثاني: ما قيل في محاربة الروم. ويبدو من سياق ورود كلمة (العرب) في المجال الأوّل أن المراد بها العنصر العربيّ، لا الناس الذين يتكلمون العربيّة، ويحملون ثقافتها، ويمثّلون التكوين التاريخيّ للأمة في عصر أبي فراس الحمدانيّ.

ذكر ابن خالويه أنّ سيف الدولة لحق حلّة بني نُميْر، ورئيسها مماغث، فاحتوى عليها، فخرجت ابنته مسفرةً حافيةً، كالشمس الطالعة، وانكبّت على مسابر الأمير سيف الدولة، فصفح لها عن الحلة، وأمر بردّ ما أُخذ، فكتب إليه أبو فراس قصيدة منها:

فَوَلّينَ عَنْكَ، يفدّينها


ويرفعْنَ مِنْ ذيلها ما انسحبْ




ينادينَ بينَ جلالِ البيو


تِ: لا يقطعُ اللّهُ نسلَ العربْ







إن قولـه لا يقطع الله نسل العرب، دعاء، يشعر بالانتماء إلى نسب جامع، يتجاوز الانتماء النسبي القبليّ، وقد جاء في سياق يوحي بإحساس بعض العرب بالمسؤولية تجاه بعضهم الآخر، ومنها التسامح والكفّ عن الحرمات، ويؤكد ذلك لدى أبي فراس أنّه أطلق لنساء بني كلاب بن جعفر الأموالَ والأسرى، تلبيةً لرجائهنّ، بعد أن قتل سيّدهن، فقال من قصيدة:

وقدّمتُ نُذْري، أَنْ يقولوا غدَرتنا


وأقبْلْتُ، لَمْ أرْهَقْ، ولم أتحيلِ




إلى عرَبٍ، لا تختشي غلبَ غالبٍ


ذُؤابة حييْ عامرٍ، والمحجّلِ







فبنو كلاب عربٌ، أماجد، لا يرهبون القتال، ونساؤهم يشفّعن لدى أبي فراس، ونصرتهنّ واجبة عليه، فهن بنات عمّه، نزاريّاتٌ، عرب.

يقول عنهنّ:

بُنَيّاتُ عَمّي، هُنّ ليس يريْنني


بَعِيْدَ التّصافي، أو قليلَ التّفضّلِ




شفيع النزاريّات غيرُ مخيّبٍ


وداعي النزاريّات غيرُ مُخَذّلِ




ردَدْتُ برغمِ الجيشِ، ما حاز كلّهُ


وكلّفتُ مالي غُرمَ كُلّ مضَلّلِ







وقد أشار أكثر من مرّة إلى إكرامه لهُنّ لنسبهن العربيّ، ومن ذلك قوله:



وصُنّا نساءً، نحنُ أولى بصوْنها


رَجَعْنَ، ولم تُكْشَفْ لَهُنّ ستائرُ







إنّ حرصه على صون الحرائر العربيّات يدلّ على شعور قوميّ عربيّ يؤكّده أنّ الشاعر أبا فراس كان يفخر بأسر الروميّات، وبتزويجهنّ كرْهاً، فهو القائل عنهنّ

كَمْ ذاتِ حَجْل، ما رآها الناسُ قدْ


برزتْ لأعينهم، بأنفٍ مُرْغَمِ




خطبتْ بحدّ السيفِ حتّى زوّجَتْ


كرْهاً، وكانَ صداقها في المقسمِ







وأحسب أنّ في الموقفين المختلفين، وفي قولـه عن النساء العربيات (نحن أولى بصونها) ما يوحي بنزعته العربيّة، وبرغبته في توحيد القبائل، والسيادة الحمدانيّة عليها، ويؤكد ذلك طموحُهُ أن يكون فارس العرب كلّهم، وهو طموح أصيل في نفسه، تشرّبه من رجال أسرته. يقول ابن خالويه: "اجتمع على أبي فراسٍ قومٌ من العرب ببالس، وعليها جيهانُ ابنُ عَرْفجةَ العُمَيْرِيّ، وكثيرُ بنُ عوسجةَ القرمطيّ، فلقيهما في ستّة عشر، فأظفره الله تعالى بهم.. فكتب إليه أبو زهيرٍ، مُهلهل بن نصر بن حمدان شعراً:

يا خيرَ منتجبٍ، ينميه خَيْرُ أبٍ


مخيلتي فيكَ لم تكذبْ، ولَمْ تخبِ




إنْ كان وجهُكَ، لم تُخطط عوارضهُ


فأنتَ كهلُ الحجى، والفضلِ والأدبِ




وقفتَ يا بن سعيدٍ وقفةً شهرتْ


لا زلتُ أدعوكَ فيها: فارسَ العرب"







لقد وصف مهلهل أبا فراس- وكان ما يزال يافعاً، لم تخطط عوارضهُ- بأنّه فارس العرب، وقد حرص أبو فراس بعد ذلك على أن يكون جديراً بما وصفه به مهلهل، ولذلك أثرٌ في شعره إذ يقول وقد انتصر على بعض العشائر-

ولا أعودُ برُمحي غير مُنْحَطِمٍ


ولا أروحُ بسيفي غير مختضبِ




حتّى تقولَ لكَ الأعداءُ راغمةً:


أضحى ابنُ عمّكَ هذا فارسَ العربِ







إنّ نعت أبي فراس للقبائل المناوئة لبني حمدان بأنهم عرب، ولنفسه بأنّه فارس العرب جاء في سياق شعريّ، وتاريخيّ يوحي بأنّه يريد بالعرب العنصر العربي، وهو يتكوّن من القبائل القحطانيّة والعدنانية، وفي ذلك تعبير عن وعي بانقسام الأمّة إلى عناصر، منها عرب، ومنها غير عرب، وقد ورد في شعره ذكر للزنج، والأعاجم، والديلم، والأتراك والروم، وكان مجتمع الأمّة يعجّ بالمستعربين من أبناء تلك الأجناس ولكنّني أحسب أن أبا فراس كان لا يدفع أولئك المستعربين عن دائرة العرب، فبعض شعره قد يوحي بذلك، فوصفه لبعض القبائل المتبدّية بالعرب العرباء يعني إقراره بوجود شطرين من العرب: عَرباء، وغير عرباء.

والعرب في (لسان العرب) هم: "هذا الجيل، لا واحد له من لفظه، وسواء أقام بالبادية والمُدُن.. وكلّ من سكن بلاد العرب وجزيرتها، ونطق بلسان أهلها، فهم عربٌ، يمنهم، ومعدّهم" وأمّا العرب العرباء فهم الصرحاء الخلص. ويستفاد من ذلك أن (العرب) لفظ جامع يشمل الصرحاء، وغيرهم، وأن الانتماء إلى العرب يتحقق باجتماع شرطين، ليس النسب منهما، وهما: النطق بلسانهم، والإقامة بأرضهم.

إن لفظة (العرب) تشمل إذا لم تُحدّد بوصف أو إضافة الصرحاء الخُلّص والمستعربين، سواء أكانت إقامتهم في البادية أم في المدن والقرى. ومن المهم الإشارة هنا إلى تعدد مستويات المستعربين، فمنهم من ادعى الانتساب إلى العرب الصرحاء. وقد غالى بعضهم بذلك، فانتقل إلى البادية وتخلّق بأخلاق أهلها، ومنهم من والى بعض الصرحاء، فكان ولاؤه لحمة كلحمة النسب وكان من أولئك علماء بالعربية كابن خالَوَيْه (ت 370هـ ) مؤدب أبي فراس، وراوي شعره.

ولكن بعض المستعربين تعصّبَ على العرب، واحتفظ بما يعوق اندماجه في المجتمع، وكانت له عُصْبَة اغتصبت السلطة، وأرهقت الرعيّة. وقد عَبّر أبو ف راس عن فخره بانتصار ابن عَمّه ناصر الدولة على الأتراك بقوله

وصَبّ على الأتراكِ نقمةَ مُنْعِمٍ


رَمَاهُ بكُفرانِ الصّنيعة غادرُ







وعن استيائه من العباسيين الذين أضاعوا هيبة الخلافة العربية الإسلامية،وسلطانها وذلك في قوله

أبْلغْ لديك بني العبّاس مألكَةً


لا تدّعوا ملكها! مُلاّكُها العجمُ




أيّ المفاخر أمستْ في منابركم


وغيركم آمرٌ، فيهنّ، محتكمُ؟




وهلْ يزيدكم مِنْ مفخرٍ علمٌ


وفي الخلافِ عليكمْ يخفقُ العلمُ؟







إن الاستعراب لا يكتمل إلاّ بالولاء للعرب، ولا بدّ من التعبير عن ذلك بسلوك يؤدي إلى الاندماج في المجتمع العربيّ. ولعلّ في الحديث عن المجال الرئيس ي الثاني الذي ذُكر فيه العرب، في شعر أبي فراس ما يجلو الوعي القومي لديه، وذلك بالمقارنة بين المراد بكلّ من العرب والروم عنده.
العرب والروم


من المعروف أنّ أبا فراس الحمدانيّ حارب الروم، وأُسر، وأنّ له شعراً كثيراً، ومشهوراً في ذلك، وإنّ في قراءته ما يضيف إلى معرفتنا شيئاً جديداً ومهماً لمعرفة وعيه القوميّ، فمجال الصراع بين الحمدانيين والروم ينتج وعياً يتجاوز ما ينتجه الصراع بين الحمدانيين وبعض القبائل المناوئة، وسنحاول جلاء ذلك بالقراءة المتأنيّة لبعض أشعاره المتصلة بالصراع مع الروم، ومنها قصيدة أرسلها وهو أسير- إلى سيف الدولة وقد استهلّها بقوله

أسيفَ العدى، وقريعَ العربْ


علامَ الجفاءُ، وفيّمَ الغضبْ؟







ثمّ قال له:

وإنّكَ للجبلُ المُشْمخرْ


رُ، ليْ، بَلْ لقوْمِكَ، بَلْ للعَرَبْ







ويبدو من البيتين اتساع دائرة العرب في وعي أبي فراس، فابنُ عَمّه قريع العرب (سيّدهم)، وبه يلوذون، ويُفاخرون، وأحسب أن الشاعر يريد بالعرب كلّ من يُحارب الروم، ويؤكد ما أحسب أنّ أبا فراس يستخدم (العرب) في مقابل (الروم) للدلالة على طرفي الصراع، وذلك في قولـه، وهو في الأسر، يخاطب الدّمُسْتق:

وسَلْ بالبرُطسيس العساكرَ كُلّها


وسَلْ بالمن س طرْياطس الرّومَ والعُربا







إنّ مدلول كلمة (العرب) في سياق البيت السابق يراد بها كلّ الذين يحاربون الروم، وهؤلاء لهم أصول عنصرية مختلفة، ولكنهم توحّدوا في تكوين تاريخي حضاري جديد، ومن الروايات الدالة على ذلك قول أبي فراس: "وافى رسولُ ملك الروم، يطلُبُ الهُدْنة، فأمر سيفُ الدولة بالركوب بالسلاح، فركب من داره ألف غلام مملوك" (وهؤلاء من جند سيف الدولة الذي ضمّ مجاهدين كانوا يأتون إلى حلب من أنحاء البلاد الإسلامية، فقد وصل إلى الشام في إحدى الروايات- من خراسان خمسة آلاف متطوّع للجهاد، فأخذهم سيف الدولة، وسار بهم نحو بلاد الروم، فوجدوا الروم قد عادوا، فتفرّق الغزاة الخراسانيّة في الثغور، وعاد أكثرهم إلى بلادهم

ومن المعروف أنّ الصراع بين العرب والروم آنذاك اتخذ شكلاً دينياً، يرجع إلى احتياز كلّ منهما على إحدى الديانتين الرئيستين: الإسلام والنصرانية، ولكنّ ما كان يحدث على أرض الصراع ليس سوى محاولة كلّ طرف منهما أنْ يحتاز الأرض لتعريبها، أو لمنع تعريبها، ولذلك غدا الدين أحد وجهي هُوّية كلّ منهما، فأبو فراس كان لا يجد حرجاً في أن ينعت قومه بأنهم عرب تارة، ومسلمون أخرى، وذلك في مجال الصراع مع الروم لا الصراع مع القبائل المناوئة، ومن ذلك قوله مفاخراً (نقفور فوكاس):

فَقُلْ لابنِ فُقّاسٍ: دَعِ الحَرْبَ جانباً


فإنّك روميّ،وخصمُكَ مُسْلِمْ







لقد كان الدين عامل تمايز رئيس بين العرب والروم في وعي أبي فراس ولذلك حرص وهو في الأسر على استثارة العاطفة الدينية عند سيف الدولة، ليفكّ أسره:

فإلاّ يَكُنْ ودٌّ قريبٌ عهدته


ولا نسَبٌ بَيْنَ الرّجالِ قِرَابُ




فأحوطُ للإسلام أنْ لا يضيعني


وليْ عَنْهُ فيهِ حَوْطةٌ ومَنابُ







إنّ الوجه الدينيّ في خطاب أبي فراس الشعريّ الخاص بالصراع مع الروم يدلّ على وعي الشاعر أهميّة الإسلام في تكوين الأمة التي ينتمي إليها، ويؤيّد ذلك تضمّنُ شعره إشارات واضحة تدلّ على أن الإسلام كان حاضراً في وعيه، وهو يحارب الروم، ومن ذلك قوله مخاطباً قائداً روميّاً:

ولَمْ تَنْبُ عَنْكَ البيضُ في كلّ مشْهَدٍ


ولكنّ قَتْلَ الشّيخِ فينا مُحَرّمُ




وأَدّى إلينا الملكُ جزيَةَ رَأْسِهِ


وفَكّ عن الأسرى الوثاقَ، وسلّمُوا




فإنْ ترغبوا في الصُّلْحِ صالحٌ


وإنْ تجنَحُوا للسلم فالسّلم أَسْلَمُ







ونجد في شعره نَصّاً واضح الدلالة على انحياز كلّ فريق إلى عقيدته وذلك في قصيدة ذكر فيها أسره، ومناظرةً جرَتْ بينه وبين الدُّمُسْتُق في الدين، ومنها قوله:

أمَا مِنْ أَعْجَبِ الأشياءِ عِلجٌ


يُعَرّفُني الحلالَ منَ الحَرامِ




وتكْنُفُهُ بطارقَةٌ تيوسٌ


تُباريْ بالعَثانينِ الضّخامِ




لَهُمْ خلَقُ الحميرِ فلست تلقَى


فتىً منهم يسير بلا حِزَامِ




يُريغونَ العُيُوبَ، وأعجزَتْهُمْ


وأيُّ العَيْبِ يُوجَدُ في الحُسامِ؟!




وأَصْعَبُ خُطّةٍ، وأجَلُّ أَمْرٍ


مُجَالسةُ اللّئامِ، على الكرامِ




أناجي كلّ طبلٍ هَرْثَمِيّ


عريضِ الذّقْنِ، بزّاقِ الكلامِ







وقد استنبط من ذلك "أنّه قد كان هناك تبشير بالدين المسيحي بين أسرى المسلمين" فالدمستق يحاول استمالة أبي فراس إليه، ولكن المحاولة لا تنجح.

والأبيات السابقة لا تدّل على التمايز بالعقيدة فحسب بل على التمايز بالخلْقَة أيضاً، فالروم تكوين جسديّ وشارات خاصة يزدريها أبو فراس فالدمستق علجٌ، والعلج نعت يطلقه العرب آنذاك على الرجل القوي الضخم من الكفّار، ولبطارقته عثانين ضخام، وأنوف وذقون عريضة، وهم لا يحسنون النّطق، الواحد منهم كالطبل ضخامةً، وهو لا يكتفي بذلك بل يظهر تعصّباً شديداً عليهم إذ يصفهم بالتيوس، وأمّا تمنطقهم بالأحزمة فقد استدعى إلى مخيلته تشبيههم بالحمير

إنّ استهزاء أبي فراس بأشكال الروم، وتشبيههم بالتيوس والحمير مؤسسان على رؤية جمالية لشكل الفارس العربي، وهي رؤية ترجع بجذورها إلى العصر الجاهلي، وتُعبّر عن عصبيّة للنسب الصريح، ولنمط حياتيّ بدويّ، فالفارس العربي تجتمع لديه القوة مع الرشاقة والخفّة لا القوة مع الضخامة والغلظ، ولعلّ في هذا البيت لأبي فراس بعض ما يوضّح تلك الرؤية:

وفتيانِ صدْقٍ من غطاريفِ وائلٍ


خفَافُ اللّحى، شُمّ الأنوف، كرامُ







إن الوقوف عند المظاهر الخلقية والشكليّة لإبراز التمايز بين العرب والروم هو من آثار احتفال أبي فراس بالنسب والعنصر، وما ينتج عن ذلك من اعتقاد بأنّ التمايز بين الأمم يكون بالأنساب التي تمنح كلّ أمّة سماتها الخاصة والفارقة. وإذا أعدنا النظر في شعره فسوف نجد سمات خلقية أخرى، فالعرب يوصفون منذ الجاهلية بالسمرة والروم بالبياض، وأبو فراس يقول:

شَعَراتٌ في الرّأسِ، بيضٌ وغُنْجُ


حَلّ رأسي جيشانِ: رومٌ، وزنجُ







وكان العرب منذ الجاهلية يصفون الروم بزرقة العيون، وبذلك وصفهم أبو فراس إذ خاطب سيف الدولة ذاكراً وقوعه في الأسر:

ولَو لَمْ تَنَلْ نفسي وَلاءَكَ لم أكُنْ


لأُوْرِدَهَا في نَصْرِهِ كُلّ مَوْرِدِ




ولا كُنْتُ ألْقَى الأَلفَ زُرْقاً عيونُها


بسبعينَ فيهِمْ كلُّ أَشْأَمَ أَنْكدِ







وإنّ احتفال أبي فراس بالتمايز المؤسس على قيم نسبية عنصرية فيه ابتعاد عن تعاليم الإسلام الصريحة إذ يستخفّ بأشكال خلْق اللّه، وينعت أشكال الروم بأوصاف قبيحة، وفي ذلك ما يدّل على اضطراب في الوعي، أو لنقل على تقصير في وعي التكوين الجديد للعرب آنذاك أو على قلق سببه التعارض بين قيم قبلية متوارثة، وأخرى جديدة، تجاوزت العصبية القبلية، ولكنها لم تنتصر عليها، ولعلّ في احتفاله بالمكان الذي تسيطر عليه دولة حلب الحمدانية ما يؤكد ما ذكر آنفاً، فهو يُعلي شأن الشام، ويشعرك بانتسابه إليها. يقول لأبي أحمد عبد الله بن ورقاء الشيبانيّ، وهو من سُكّان العراق

رَمَتْكَ من الشآمِ بنا مطايا


قصارُ الخَطْوِ، داميةُ الصّفاحِ







ويقول أيضاً:

الشامُ، لا بَلَدُ الجزيرةِ لذّتي


وقوَيْقُ لا ماءُ الفراتِ مُنائي




وأبيبُ مُرْتهنَ الفؤاد بمنبجَ الـّ


وْداءِ، لا بالرّقّةِ البيضاءِ







ويلاحظ أنّ أبا فراس يكاد لا يظهر تعلّقه بسوى ما يحكمه سيف الدولة من الأرض، ونراه يصر على إظهار انصرافه عن الأرض التي يحكمها ناصر الدولة، وهو أخو سيف الدولة، وقاتلُ سعيدٍ، والدِ أبي فراس، فهو يفضّل الشام على الجزيرة، وقويق على الفرات، ومنبج على الرقة، وهو القائل أيضاً وكان أسيراً- يخاطب سيف الدولة:

فيا ليتَ شُرْبي مِنْ ودَادِكَ صافياً


وشُرْبيَ مِنْ ماءِ الفُراتِ سَرَابُ







إنْ القصور السابق في وعي الانتماء المكانيّ، مرجعه الأثر السلبي للعصبية القبلية في تكوين وعي أبي فراس، ولكننا نجد في مقابل ذلك وَعياً بخصوصية المكان، فالروم لهم مكانهم الخاص، والعرب (الحمدانيون) لهم مكانهم الخاص أيضاً، وذلك في قوله لسيف الدولة:



فكيفَ، وفيما بيننا مُلْك قَيْصَرٍ


وللبحرِ حَوْلي زخْرَةٌ وعُبَابُ







وقوله أيضاً:

فكيف، وفيما بيننا مُلْكُ قيصرٍ


ولا أمَلٌ يُحيي النفوسَ، ولا وَعْدُ







وثمة حدود برّية، وبحرية تفصل بين ملك قيصر (الروم)، وملك الحمدانيين (العرب)، هي: بَحْرٌ (بحر الروم- الأبيض المتوسط)، ودَرْب، وذلك في قوله لسيف الدولة:

فلَمّا حالتِ الأعداءُ دوني


وأصبح بيننا بحرٌ، ودَرْبُ







يقول ياقوت الحمويّ: "وإذا أطلقت لفظ الدرب أردت به ما بين طرسُوس وبلاد الروم، لأنّه مضيق كالدّرب، وإيّاه عنى امرؤ القيس بقوله:

بَكَى صاحبي لمّا رأى الدّرب دُوْنَهُ


وأيقنَ أنّا لاحقانِ بقيصرا







ويقول الأعلم الشنتمريّ عن ذلك: "والدرب: ما بين بلاد العرب والعجم ويريد الروم منهم.

إنّ هذا الدرب، وذاك البحر هما اللذان يفصلان بين بلاد الروم والشام، وكان قلبه متعلقاً بها:

هو في الرومُ مُقيمٌ


ولـه في الشّام قَلْبُ







ومن الجدير بالإشارة ها هنا أنّ معرفة أبي فراس الحمدانيّ لتلك الحدود ترجع إلى أمرين، الأوّل: أنّه خ ب ر ذلك بنفسه، والثاني: أنّه عرف ذلك بقراءته الدقيقة لتاريخ الأرض التي يحارب عليها، فإذا ما كان امرؤ القيس قد أشار منذ الجاهلية إلى أن (الدرب) هو ما بين العرب والروم فإنّ أبا فراس كان يعرف ذلك أيضاً، ويضاف إلى ذلك أن أبا فراس أشار في شعره إلى الوقائع التي كانت بين الفرس والروم قبل الإسلام في المعاقل التي شهدت الصراع بين دولة الحمدانيين والروم، وذلك في قوله يصف ابن عمّه:

رَمَى اللهُ مِنْهُ الرومَ في كلّ معقلٍ


بِمُشْتَبهٍ أسرارُهُ، وهْوَ سائرُ




فلَمْ يستترْ خافٍ، ولم ينج هاربٌ


ولَمْ يَمْتَنِعْ حصنٌ، ولم يُهْدَ حائرُ




وكلّ مشيدٍ، ردّ كسرى بحسرةٍ


فباطنُهُ للمسلمينَ ظواهرُ







إنّ ما قيل آنفاً يعبّر عن حدود أرضيّة فاصلة بين أمتين، أو عن تخوم متنازع عليها بينهما. ويجدر بالذكر أن تلك المناطق التي وصلت إليها أو استوطنت فيها القبائل القادمة من شبه الجزيرة العربية، أو من الشام والعراق كان تعبر في الحقيقة، وفي وَعْي أبي فراس، وامرئ القيس قبله، عن التمايز بين أمتين وهو وعي يتجاوز التكوين القبليّ، ويُعبّر عن تكوين حضاريّ حقيقي.

ويبدو ممّا سبق أنّ ما أنشده أبو فراس في مجال الصراع مع الروم عَبّر عن وعي قومي يتجاوز العصبية النسبيّة، ويُعَبّر عن إدراك أثر الإسلام الحاسم في تكوين الأمة، فغدا لفظ (العرب) مطابقاً لكلمة (المسلمين)، وقد شاب ذلك انحياز للإرث العربي القبليّ، عَبّر عن نفسه بالغضّ من خلقة الروم وأشكالهم، وبإعلاء شأن الخلقة والشكل في مجال التمايز بين الأمم، ولكن وعيه للحدود والتخوم الفاصلة بين العرب والروم دلّ على ارتقاء وعيه، وتجاوزه للعصبية القبلية، ولا يقلّل من ذلك احتفاله بالشام دون سائر أرجاء الأرض العربية، فهو احتفال له دوافع سياسية وشخصية.

ولعلّ من المهم والمفيد أن نشير أخيراً إلى أن أبا فراس الحمدانيّ كان يرى عظمة أسرته تكمن قبل كلّ شيء في مقارعة الروم، فكثر فخره بذلك، وقدّم أمجاد المعاصرين على أمجاد الأوائل، وذلك في رائيته المشهورة التي ذكر فيها أيّام أسلافه وآبائه وأعمامه وأهله والأقربين، ومطلعها:

لَعَلّ خيالَ العامريّة زائرٌ


فيسعدَ مهجورٌ، ويسعدَ هاجرُ







ومنها قوله:

أيشغلُكُمْ وصفُ القديم؟ ودونَهُ


مفاخرُ، فيها شاغلٌ ومآثرُ




أتسمو بما شادتْ أوائلُ وائلٍ


وقد غمرتْ تلك الأوالي الأواخرُ







ثم فخر بمقارعة أسرته للروم، وببنائها للأسوار والقلاع في مناطق الثغور.

***

إن قراءة شعر أبي فراس الحمداني على ضوء تاريخ دولة بني حمدان في حلب، وعلى ضوء سيرة أبي فراس- تدلّ على أمرين رئيسين: الأوّل أن الوعي القومي عنده كان متحرّكاً، لا ساكناً، فقد كان مفهوم (العرب) عنده عنصريّاً، مؤسساً على النسب القبليّ، وبرز ذلك في مجال صراع الحمدانيين مع بعض القبائل العربية، ثمّ غدا ذلك المفهوم- بعد وقوعه في الأسر- مُعبراً عن التكوين التاريخي للعرب الذي جعلهم يتميّزون باللغة، والأرض والعقيدة والثقافة، وإن لم ينتصر وعيه القومي المتطور على وعيه القومي العنصريّ، والثاني أن للتحديات أثراً كبيراً في إنتاج الوعي القومي، فالتحدّيات الداخلية (الصراعات) أنتجت وَعياً قبلياً، نسبيّاً يعوق وحدة الأمّة، ولا يُعبّر عن حقيقة تكوينها، وأمّا التحدّيات الخارجيّة فقد أنتجت وعياً صائباً، عبّر عن كثير من حقائق تكوين الأمّة، وكان لطبيعة تلك التحدّيات- آنذاك، ولتكوين شخصية أبي فراس أثر في تغييب بعض تلك الحقائق، ومنها أن العرب النصارى هم من نسيج التكوين التاريخي للعرب، ومنها أيضاً- أنّ أرض العرب تتجاوز حدود دولة سيف الدولة التي أحبها أبو فراس، وقُتل، وهو يدافع عن سيادة العرب عليها

لقد أشار بعض الباحثين إشارات سريعة مقتضبة إلى احتفال أبي فراس بالعنصر العربي، وبالعروبة. ولكن هذه الدراسة تتبّعت وعيه لوجوده القومي، فأنتجت معرفة جديدة، مهمة، ومفيدة، ولا سيما أن التحديات العدوانية الخارجية ما زالت الأقدر على صنع الوعي القومي العربي، وأنّ الصراعات العربية الداخلية ما زالت تسهم في إنتاج وعي زائف يضعف النضال القومي العربي، ويعوق تنامي الوعي القومي العربي الصائب.
__________________
الحمد والشكر لك يارب على ما انعمت به علي
سبحان الله وبحمدة سبحان الله العظيم


رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
الحمدانيّ, الوعيُ, القوميّ, فراس
اشترك في القائمة البريدية لموبايل فور اوول ليصلك كل جديد

بريدك الالكتروني


أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
بعض الصحابه على فراش الموت بنوتة شقية منتدى الاسلامى العام 0 04-02-2009 11:37 AM
لماذا اللذين على فراش الموت يرون اما الجنه واما النار بنوتة شقية منتدى الاسلامى العام 0 03-06-2009 07:13 PM
]] أبو فراس الحمداني ]] حَلَلْتَ مِنَ المَجْدِ أعْلى مَكَانِ، حلم روح قسم رواد الشعر 0 10-01-2008 08:18 PM
أبو فراس الحمداني*اراك عصي الدمع* beckham_250 قسم الشعر والشعراء 2 09-13-2008 01:47 PM
ابو فراس الحمداني*ناحت بقربي حمامة* beckham_250 قسم الشعر والشعراء 0 09-13-2008 12:58 PM



عنا

موقع ومنتدى موبايل فور اوول تم انشائه في عام 2007 بهدف التواصل مع المهتمين بعالم التكنولوجيا والموبايل والبرامج والتطبيقات الخاصة بالموبايل والكمبيوتر, وخلال هذه الفترة استطعنا خدمة مئات الألاف من الزوار والاعضاء ونسعى خلال الفترة الحالية الى تقديم الجديد في هذا المجال وزيادة التواصل مع زوار وأعضاء المنتدى الكرام

عنا


الساعة الآن 08:14 AM بتوقيت مسقط